عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
28
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
النور إليها ، والمحبة هي الدهن الذي توقد به هذه السرج كلها ، وهو مستخرج من الشجرة المباركة التي هي شجرة المعرفة التي لا شرقية ولا غربية لتنزّهها عن الجهات إذ معروفها لا في جهة ، وهذا الزيت هو صفو ثمرتها الذي يَكادُ [ البقرة : الآية 20 ] من شدة صفائه يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [ النّور : الآية 35 ] معناه أنه ينير ولو لم تستمدّ النور من غيره فإذا أشرق عليه نور القدس كان نُورٌ عَلى نُورٍ [ النور : الآية 35 ] . واعلم أن هذه الأنوار التي هي سرج العالم النوراني وإن كان بعضها مستمدّا نوره من بعض ، فكلها مفتقرة في نورها إلى نور الحق تعالى الذي هو نور الأنوار . ولما كانت النفس الإنسانية إليها ينتهي النور الذي يشوبه المحبة - إذ المحبة كما قلناه من صفات الذوات العارفة - لم يتّصف لذلك بالمحبة جماد ولا موات ولا ذو نور عارض : [ من البسيط ] جسومنا كالمشاكي والنفوس لها * مثل الزجاج ونور العقل كالسرج جرّد تجد كل حسن فيك مجتمعا * إنّ ابن آدم يعطى أفضل الدرج جمالنا باطن لو كنت تخرجه * إلى الوجود للاح الحق بالحجج تنبيه : فقد تقرر من هذا أن النور الإلهي وإن كان واحدا فقد اختلفت آثاره في الذوات لاختلافها ، فبعضها قبلت منه صفة الوجود والحياة والمعرفة والمحبة والجمال وهي الذوات العارفة الكاملة ، وبعضها قبلت منه صفة الوجود والحياة والجمال وهي الأجسام التي تدبّرها الأنفس العارفة ، وبعضها قبلت الوجود والجمال وهي أجسام الحيوان والنبات ، وبعضها لم تقبل من هذا النور إلا صفة الوجود خاصّة وهي أجسام الجماد المظلمة في ذاتها ، وإنما حصل لها من النور الوجودي رشّ به ظهرت من ظلمة العدم وبه تناسبت مع أجناسها لاشتراكها في الوجود . فالمحبة إذا من صفات المقرّبين وبها كمال الوجود الحيّ وتمامه ، ولم يخل عنها في العالم إلا أخسّ أقسامه وهو مجرّد الأجسام ، وبقدر وفور نصيب العارف منها يكون قربه من بارئه وبضعف نصيبه منها يكون نزوله إلى أفق البهائم وحضيض العالم الأسفل . فليس في العالم باعث على العروج إلى عوالم النور شيء سواها فهي أشرف الوسائل وأكمل ما اتّصف به كلّ عارف كامل : [ من الكامل ] أيّ النسيم سرى بأيّ خيام * متوشّحا بذوائب الأعلام